كل المقالات بواسطة يوسف الفاسي

صحافي وفاعل حقوقي كاتب رأي مهتم بالقضايا السياسية والحركات الإسلامية

لا تضع هدفا لحياتك قبل أن تفكر في هذه الأشياء (1)

في غياب النقد الحقيقي للذات يحضر التضخم والأنا العليا لدى صاحب الفكرة سواء كان شخصا أم مؤسسة أم دولة أم أمة.
وينحو الكثيرون دائما إلى الهروب إلى أسئلة سابقة لأوانها في مقاربة الحياة والتدبير والتنظيم، فلا يستقيم بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن هدف أو رسالة واقعية ما لم تتوفر شروط قيدية لتحقق القابلية في التفكير المتحرر لتحديد الأهداف..
وأيما فكرة لم تراعي هذه الشروط فإنها تعيش في بؤرة معزولة عن الواقع وتحدياته بعسله ومره وتضحى هدفا للاستعمال العكسي..
فإلى جانب ذلك هناك أسئلة مؤرقة تلوح في الأفق حينما نبحث عن هذه الشروط تتسم بملمحها الوجودي أي أسئلة وجودية تعود بنا إلى الأصل..
إن أول شرط لوضع هدف قابل للتحقيق هو تشبيك الحلقات الضائعة من الحياة وانسجامها في قالب متناغم يراعي في عين الاعتبار الواقع المعاش والإمكانات القيمية والسلوكية، ثم ثانيا هناك توفير الظروف الملائمة للمعرفة والممارسة المفضية إلى إنضاج الرؤية لصياغة الهدف الواقعي المراد تحقيقه..
ثم في نقطة ثالثة وجود منهجية ومنهج، منهجية مجربة لها قواعد ناظمة تراعي الإمكانيات المعرفية والعقدية والجسمانية، ومنهج قارئ لمعالم التصور الأساسي لصياغة الهدف ثم رؤيته وأهم خطوطه العريضة ومخططاته الإجرائية الناظمة..
وأخيرا القابلية للصعود والأفول وتمرين الذات على تحويل الأزمة إلى ورشة للعمل والإنتاج سواء كان معرفيا أو تطبيقيا..
تلك بعض المعالم العامة على أن نعود بالتفصيل في كل نقطة في تدوينات مقبلة بحول الله..

الانتماء تحول.. فصام تعيشه مجتمعاتنا

الشعور بالانتماء شيء جيد يحيل إلى الارتياح والعودة إلى الذات، والتعبير عنه يجب أن يكون بنفس مستوى هذا الشعور، أي بصفاء وصدق قريحة وانتقاء الأساليب والعبارات الدالة والمناسبة في الدفاع عن هذا الانتماء وإيجابياته وأبعاده..

في بعض الحالات نجد في مجتمعاتنا تحولات إما بالتدريج أو عن طريق طفرة مفاجئة إما تتقارب مع الانتماء أو تتباعد عنه وفي الحالتين أكيد هناك اختلاف، والاختلاف مطلوب دوما في أي مجتمع من المجتمعات على أساس أن يكون عائده مثمرا وذو مسؤولية اجتماعية مشتركة..

إن الانتماء يكون في التمثل العام مرتبطا بالثقافة التي تتباين من مجتمع إلى آخر، لكن أثناء التلاقح تتأثر ثقافة بنظيرتها إما لأسباب ذاتية أو موضوعية، وهنا لن نبرز في صدد حديثنا جدلية المناعة من عدمها فكل ثقافة لها عائد مثمر فمرحبا بها..

ونقصد بالإثمار هنا هو أن تكون طبيعة الانتماء مرتبطة بالاستيعاب والوعي بضرورة تطوير وتنمية المكون الحضاري للمجتمع والاستفادة من تجارب رائدة في الرقي المجتمعي سواء ثقافيا أو علميا أو اقتصاديا أو حتى سياسيا وفي مجالات أخرى..

إن تعدد روافد الانتماء يجب أن يقابل بعقلية تمحيصية بعيدا عن معيقات التوجس التي تحيل إلى حكم مسبق غير منصف وفي المقابل نظرة تصنيفية واقعية لمدى الجدوائية وانعكاس ثقافة ما على حضارة مجتمع معين..

إن جدليات “البروباكاندا” في الوطن العربي بما فيها المغرب، أصبح يتحكم فيها ذوو النفوذ والسلطة والمال، بالإضافة إلى أنساق سياسية قد تكون مضرورة أو مستهدفة بشكل ما من هذه الحملات الإعلامية، لذلك تكون منخرطة بشكل مكثف وملحوظ من أجل الحضور في المشهد وإبداء مواقفها حسب طبيعة اللحظة ونوع القضية..

إن ضرورة اللحظة، تقتضي منا التأمل في مفهوم الانتماء بين الأمس واليوم، ومن يملك دواليب التحكم فيه ومن يلعب بخيوطه، من أجل صناعة “المجتمع الجديد” حسب الخطوط العريضة التي يتبناها ويرمي إليها، اختلف معه المجتمع أو توافق..

لذا نجد أن هناك فصاما واضحا في ممارسات المنظومة المجتمعية في مجموعة من الحالات في الأسر العربية عموما والمغربية خصوصا القيمية منها والأخلاقية والسلوكية..

فمن هنا يصبح للانتماء مفهوم جديد مختلف تماما عن التداول المشترك ويعرف تطورا بطريقة انسيابية وسريعة لا تترك لنا مجالا لنقاش الأمور الأصلية وتجعلنا نهتم بشكل كبير بالفروع لعلنا نفقه شيئا ما في طبيعة التحول الذي يعرفه “الانتماء” في المجتمعات العربية..

أيها المتأدلجون!!

أثناء تفحصي لنقاشات المختلفين إديولوجيا عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو المواقع الخبرية أو البرامج التلفزيونية، أكون سعيدا حينما يكون الحوار راقيا يقف عند تقاذف الأفكار وتذييل الخلافات الشخصية وتبيين الاختلافات الفكرية..

تنتابني السعادة كثيرا حينما أجد مؤدلجين مبدئيين، يشجعون مخالفهم حينما يقول الصواب ويناقشونه بالحجة حينما يختلفون معه..
أكون سعيدا جدا حينما أجد الابتسامة تملأ جوف كليهما، لا حقدا، وإنما بسبب حرارة النقاش والإعجاب بمستوى كليهما المتبادل..

قليل هي مثل هذه النقاشات حاليا لكنها مهمة وتضيف شيئا مهما في ساحة الاختلاف سواء كان سياسيا أو فكريا أو ثقافيا، ويعتبر مبدأ القبول بالآخر السمة البارزة لفتح باب للحوار الناضج المثمر المفيد..

لكن للأسف الشديد ثمة ما يعكر صفوي أثناء تتبعي لنقاشات أخرى من هذا النوع، حينما نجد أن الأمر ينتقل من نقاش فكري إديولوجي، إلى سب وشتم وحقد وقذف متأدلج..

إن أمرا مثل هذا يحتاج إلى تحسيس وتوعية بخطورة الأمر، لأنه يولد الكراهية والحقد المتبادل بين المختلفين فكريا، وقد يتطور الأمر إلى قبلية أو طائفية أو اصطفاف ثنائي متأدلج، كما يريد أن يصور البعض، فنجد ثنائيات تدل على ذلك وتصور العداء ربما هو مفتعل وقد يكون مقصودا أو غير مقصود.. من قبيل “سني-شيعي”، “مسلم-يهودي”، إسلامي-علماني”، مسلم-مسيحي”.. لكن العدو الحقيقي ليس في هذه الثنائيات..

إن العدو الحقيقي أيها المتأدلجون الذي يجب أن ننتبه له هو ذلك التطرف الذي قد ينبع بسبب التأدلج، والتعصب للنسق الفكري الذي تنتمي إليه الأطراف المتحاورة.. مما ينمو بشكل صدامي قد ينتج عنه العنف لا قدر الله..
ومثل هذه المظاهر تتطلب انخراط مختلف الفاعلين المثقفين والسياسيين وحتى الدينيين في بعض الحالات.. من أجل القضاء على الإرهاب الحسي واللفظي والفعلي..

وبذلك فإن نقاشنا في هذا الاتجاه سيقطع الطريق أمام التطرف الكبير ومن يشجعه خصوصا من قبيل داعش وأزلامها ومن يقوم مقامها..

أيها الإبن العاق.. إنها أم واحدة :(

كثيرة هي الدروس التي تقدمها لنا الحياة، فمنها من نتعظ بها ونتعلم، ومنها رغم قساوتها فإنا نستمر في غينا، وهناك الكثير من الشواهد في المجتمع تدل على مجموعة من النقائص التي تشوب الإنسان في سلوكياته وتعاملاته، خصوصا مع أقرب الناس إليه.
ويعتبر عقوق الوالدين من أسوأ الأخلاق التي قد يمارسها الأبناء في حق آبائهم، وبالأخص الأم، مع استحضار كمية الدعم والرعاية التي تقدمها من الحمل إلى الولادة إلى ما بعد ذلك..
وعقوق الوالدين قد تسببها آفات اجتماعية إما من سوء التربية كعامل داخلي أو مشاكل مركبة سواء داخلية أو خارجية (تفكك أسري، انحراف اجتماعي، مشاكل نفسية، ..)..
وقد سمعنا في مجموعة من الأحداث المؤسفة التي قد يمارسها الأبناء العاقين في حق أمهاتهم، إما بالقتل أو الاغتصاب للأسف الشديد بفعل الإدمان على المخدرات وغياب الوعي ودخول عالم الجريمة..
ولو أن مشكل العقوق هو أمر مركب لكن لا يمنع ذلك أن نكتب هذه السطور من أجل غد أفضل لأبنائنا وآبائنا على السواء، حتى لا نسمع مثل هذه الأخبار السيئة التي قد يقاترفها الأبناء العاقين..
ورسالتي إلى الإبن العاق سأركز فيها على نقاط مدققة عبر أسئلة نابشة وهي كالتالي:

– هل أنت في وعيك؟
– هل تعرف من أنت؟
– هل تملك أخلاقا؟
– هل تملك صبرا ضد الفعل ورد الفعل غير المحسوبين؟
– هل تريد أن تكون إبنا عاقا أم صالحا؟
– هل تعاني من مشاكل نفسية؟
– هل تكره أو تحب أمك؟
– ماذا تريد صراحة من نفسك ومن الآخرين بداية من أمك؟
– هل أنت مستعد للإقلاع عن العقوق؟
– كيف هي درجة حبك وكراهيتك الآن؟
– هل تستطيع تعويض حب الأم وحنانها؟
إنها فقط بعض الأسئلة التي تنبش بعض درجات الحالة النفسية والاجتماعية التي يعاني منها الأبناء والتي تسبب في حالات كثيرة عقوق الوالدين، وأكيد ان مبدأ المراجعة والنظر فيه الكثير من الإيجابيات إلا في الحالات المتقدمة التي يستعصي من خلالها المعالجة بالطرق التقليدية، بيد أن الحوار والنقاش يعتبر أول هذه الطرق لننتقل إلى مرحلة ثانية، وهو تجسيد دور الأم في التربية والتنشئة في مقابل رد الجميل رغم أنه من الصعب رد كل هذا الدور خصوصا في مدة الحمل، تسعة أشهر، وهذا أمر قد يكون ماديا إذا حمل في مقابل ذلك الإبن العاق قيم الوفاء فسيكون له كلام آخر..
أما إذا تجاوزت الحالة حالة أخرى يصعب علاجها، فإن ذلك دور الجمعيات المدنية والأهلية في إعادة الإدماج وكذا المتخصصين النفسيين والاجتماعيين وكذا معالجة المشاكل المعيشية لدى الفئات الهشة..

لكن أشير هنا إلى أمر مهم أن مشاكل الفقر والهشاشة لم ولن تكون ذريعة لاقتراف أفعال سيئة في حق الأم، بل إن الدافع يجب أن يكون نحو الأمل حتى ولو تبقت قطرة واحدة من الأمل، وكذا السعي ومكابدة الطريق بجميع الألوان حتى نفتح باب النجاح والقضاء على محن الحياة وتحدياتها، وأن نعيش محيطنا وبيئتنا بالتفاؤل المبني على التفكير والتدبير بدون وجود يأس في قاموس الحياة حتى تضحى الأم مكونا دافعا لهذه الحياة بآلامها ومدخلاتها ومخرجاتها أيضا..

إنها رسالة إليك أيها الإبن العاق حتى تهزم ذلك الوحش العاق القابع داخلك.. إنها أم واحدة..

إلى الخط الإصلاحي

(رسالة إلى الخط الإصلاحي)

بعبارة خاطفة.. إن مجالات إعمال العدل لا يمكن أن تجد مجالا خصبا لتكونها طالما هناك تحكم وتعليمات خارجية تضرب في عمق الاستقلالية.. كما أن أدوات المجابهة من لدن دعاة الخط الإصلاحي في المغرب الحبيب لا تزال آليات ذاتية تقليدية تحافظ على تماسكها اعتمادا على ثقافة رد الفعل حينما يتم جس النبض..

لذلك فإن غياب دور المثقف في القضايا الاجتماعية والسياسية جعل جل الآراء منقسمة ما بين العامل السياسي والعامل النضالي.. مما شكل حالة فصام لأول مرة لغلو وتطرف منطق الحسابات الخشبية الموغلة والانحدار عن المسار الطبيعي لكل عمل حسب مجاله..

فالاستقلالية مطلوبة جدا ما بين السياسي والمدني والنقابي والحقوقي أيضا والخيط الناظم بين هؤلاء والذي يمكن أن يجمعهم هو حضور فكرة المشروع المجتمعي الوطني بدل فكرة الطائفة والقبيلة والتنظيم المغلق..

إن حاجتنا اليوم ماسة إلى تكوين بنية عقلية جديدة تتسم بنزعة وطنية صادقة بدل نمط إديولوجي تقليدي يتبادر إلى ذهننا كلما استحضرناه عقلية الملقي والجمهور.. في حين أن السفينة واحدة والركب واحد رغم اختلاف الأفكار والبنيات الثقافية والمنظومة القيمية..

إن اختزال فكرة الإنسان في نموذج واحد وأوحد في طبيعة التدبير وتدبير الاختلاف يجعلنا نقف أكثر من مرة ويحق لنا أن نتساءل دوما، لماذا لم تتطور البنية الاقتراحية ولماذا تحضر البنية النقدية على أنها حالة نشاز ومراهقة فكرية وهروب افتراضي من الممارسة..
لماذا يتم تهريب التنظيم الاجتماعي الوطني حقيقة من المشروع ونفتح الباب فارعا لضربات تنظيم تقليدي مسطري..!؟

إن واقع الحال يقول أن التفريط حصل منذ نعومة الأظافر وفي أوج الشيخوخة، إما بنية شبابية على شاكلة “تنفس بعمق”، أو بنية شيخوخية على شاكلة “هذا ما وجدنا عليه آباءنا” فحصل الفصام والله أعلم، وكانت الفترات العمرية الأخرى تخبط خبط عشواء وتنهل من إنجازات الماضي في دورة حضارية طبيعية تتطلب التجديد حقيقة في العشر السنوات القادمة، هي دعوة إلى تجديد إعادة طرح مبادرة السؤال بحضور أولوية ومركزية المثقف المتجرد لا التكنوقراطي..

إلى جيل باكالوريا 2015

الشباب عماد الوطن، وكل استهداف له في مناشطه العلمية والمعيشية هو استهداف لجيل يتوخى منه استكمال مسار بناء بلاده، إن ما حدث من تسريبات لامتحانات باكالوريا 2015 بالمغرب بحر هذا الأسبوع أمر مثير للريبة ليس لأنه أول مرة يحدث ولا لأن من يقفون وراءه قد يكونون أطرافا سياسية تستهدف التجربة الحكومية، وإنما هذا الأمر جعلنا نقف وقفة تأملية في من نعطيه مصير أبنائنا بين أيدينا، وفي الأخير يكون عامل المعدل الذي قد يحصل عليه الكثيرون من أثر الغش هو المعيار الأساسي لاختيار عدد منهم للدراسة في مجموعة من المعاهد والمؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود..
إن ما يحدث اليوم يعيد السؤال إلى الواجهة حول مصداقية تعليمنا وما يمكن أن يخرج من نخب تشرف الوجه الحقيقي لبلادنا في المحافل الدولية.. ما زال ترتيب بلادنا في التعليم في دول المؤخرة، ومازال أمامنا عدة أوراش لبناء منظومة تعليمنا بالمغرب، بدءا بورش المصداقية ثم أمانة الخريجين والمسؤولين الساهرين على تعليم وامتحان أبنائنا مرورا بأمنهم وراحتهم النفسية وتوظيف كل السبل البيداغوجية واللوجيستيكية والتربوية لكي يكون لدينا تعليم نفتخر به مثلما تفتخر الكثير من الدول بذلك، هذا في الجانب الشكلي..
أما جانب المضمون فمازالت مجموعة من اللوبيات تتمترس داخل قطاع التعليم في تسلسلاته من أجل التجارة الرخيصة والاستثمار في مقدرات أبناء الوطن ليس إلا ربح أموال السحت وخيانة الوطن إما لانتصار الطرح القائم على خوصصة جميع المدارس وتوجيه الشعب الذي في عدد كبير منه غير قادر على توفير الحد الأدنى من العيش لدفع مصاريف التعليم الباهضة للوبيات الفساد التعليمي، وإما لبارونات عقارية تريد الإكثار من المدارس ذات الاستقطاب المحدود وفتح مشاريع خارج دائرة الإجماع الشعبي من أجل سحق المدخول الفردي وتحريم الحق في التعليم والحصول على المعرفة كمواطنين..

الشباب المغربي والاستلاب السياسي المشرقي

يوسف الفاسي
تكاد تكون جل قراءات الشباب المغربي للأوضاع السياسية ببلدهم تنصرف إلى الوضع بالمشرق ومحاولة إسقاطه على الوضع بالمغرب، ربما لأن الإعلام المشرقي متطور جدا مقارنة مع الإعلام في المغرب وباقي الدول المغاربية، سواء من خلال القنوات المصرية والسورية التي تفننت في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، أو القنوات الإخبارية في قطر والسعودية كالجزيرة والعربية، بالإضافة إلى الإنتاجات المشرقية والخليجية في الغناء والفيديو كليب والبرامج الغربية في نسختها العربية، ..
فأضحت ثقافتنا المغربية في حالة انعتاقها من السياج الغربي الاستعماري، تلبس سياجا جديدا وهو السياج المشرقي المتعدد الروافد، شرق أوسطي، خليجي، تركي وغير ذلك..
وواقع القول أنه ليس هناك مشكل في الاستفادة من أي ثقافة مهما تعددت في تطوير ثقافتك وتنميتها، لكن المشكل المثار هنا هو أن تصبح ثقافة الآخر هي ثقافتك وطريقة ونمط تفكير الآخر هو نمطك، ومشاكل الآخر نستوردها من أجل أن نبني مشاكلنا على مقاسهم..
أتذكر هنا دعوة وزير الدولة المرحوم عبد الله باها قبل سنوات لشبيبتي حركته وحزبه أثناء ترديد شعارات رابعة بمصر إلى الابتعاد عن المشرق والاهتمام بالمغرب، والانشغال بالوضع الداخلي لبلدهم أكثر والاهتمام بالخصوصية المغربية التي خلقت الاستثناء في كل شيء على حد تعبيره..
وإن كان الكثير يقولون بأن ليس هناك استثناء والمغرب ليس استثناء، فلماذا استحضار المشرق وخصوصيته وإسقاطه على المغرب؟ ولماذا إهمال الخصوصية المغربية واستثناءاته؟ أليس لكل بلد استثناءات؟ أليس لكل بلد إنجازات وإخفاقات استثنائية لا تجدها إلا عنده؟ أليس لكل بلد حجمه وتاريخه وحضاراته وعمره الحضاري وتاريخه وعمقه؟
المرحوم باها أثناء تجمع لمؤتمر لمنظمة التجديد الطلابي التخصص الطلابي لحركة التوحيد والإصلاح، لم يقف كلامه في هذا التوجيه، بل أبدى اعتراضه على رفع قواعد حزبه شعار “ثوار أحرار حنكمل المشوار” معللا قوله “أن هذا شعار ميدان رابعة العدوية وليس شعار كلية العلوم بالرباط” وهو المكان الذي أدلى فيه بهذا الكلام..
بل دعا المرحوم باها إلى عدم نقل مشاكل مصر إلى المغرب ونوه بالدور المغربي في الربيع العربي واستثنائه، والتضامن المغربي مع قضايا الأمة بما فيها فلسطين وما حدث في مصر وسوريا وباقي البلدان..
خطاب متوازن وواضح، أن تتضامن مع بلد ليس أن تصدر خطابه وكلامه بنفس الرنة، كأن تقول مثلا “مرسي رئيسي”، بينما لدينا في المغرب ملك منذ أزيد من 12 قرن، ثم تقول في شعار آخر “ثوار أحرار حنكمل المشوار”، وهو شعار باللكنة المصرية وليس المغربية أولا، ثم أن الثائر في مفهومه السياسي هو الحانق على النظام والمطالب بزواله، وأنا متأكد أن الشباب المغربي لا يقصد ذلك ولكنه يريد أن يعبر عن تضامنه بأي شكل من الأشكال، لكن لا ننسى أننا مغاربة وأن تضامننا مع الأمة يجب أن يبقى مغربيا وأن ثقافتنا يجب أن تكون مغربية لا مشرقية ولا فرنكفونية ولا حتى أنجلوساكسونية، هكذا نتقدم وهكذا نتميز، فإذا كنا نتعصب لقضايا الآخر بثقافته، فلماذا لا نتصعب لقضايانا بثقافتنا؟ أو على الأقل لنتضامن مع قضايا الآخر بثقافتنا فنكون بذلك قد كسبنا رهان التضامن بل استيراد المشاكل ونقول “أن المغرب في الطريق إلى ما آلت إليه الدولة المشرقية الفلانية” و”إذا امحت الدولة المشرقية كذا سيكون المغرب كذا”، مع أن المغرب عمره قرون وتجد الدولة المشرقية الأخرى لم تكمل بعد حتى 70 سنة وهنا يجب أن يكون خطابنا متوازنا وعلميا وعقلانيا لا خطابا نابعا من عاطفة ورد فعل أو إرهاب إعلامي..

وفي المقابل قام مجموعة من الشباب المغاربة باستلهام اسم حركة “تمرد” المصرية بالمغرب وعلى نسقها ووفق نفس الآليات التي استطاعت من خلالها الانقلاب على الإسلاميين في مصر، حاولت على نفس النسق نظيرتها المغربية التي استنسخت نفس الإسم ونفس القالب الانقلاب على الإسلاميين في المغرب، إلا أنها فشلت بسبب ضعف صبيب صوتها لدى العمق الشعبي ونشازها في وقت كانت التقاطبات السياسية بالمغرب في أوجها بسبب الارتياح الذي خلفته الملكية للائتلاف الحكومي الذي ضم إسلاميين ويساريين ومحافظين وليبراليين..
إنها محاولة لكي نكون أكثر وعيا ورقيا واحترافية واستيعابا لمشاكل الآخر، كما أنها دعوة لمزيد من الاهتمام والمتابعة لمشاكلها وتوجيهها وتثوير الوعي فيها نحو مزيد من الإصلاح والرقي والعطاء والإنجاز..

كلام في الأخلاق

يوسف الفاسي
(1)
قديما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق” ، حيث أن بعثته صلى الله عليه وسلم بدين الإسلام جاءت لتصحيح الكثير من المفاهيم الخاطئة عن الأخلاق في المجتمع العربي وباقي المجتمعات الشرقية والغربية وتكميلا لبعضها الصحيح..
والتغيير من خلال الأخلاق هو أس التغيير، حيث ينجم عن تمثله في كثير من المجالات كالمجتمع والاقتصاد والسياسة مثلا انعطافا ملموسا وذو أثر بيّن عبر تربية الأجيال على القيم الحسنة..
(2)
والبعد الأخلاقي مختلف كثيرا عما هو وعظي حيث أن الوعظ هو جزء من التربية على الأخلاق، فتتميم الأخلاق كما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم هو متعدد الأبعاد في وسائله، فكلام في رقائق الدين يسكن النفس ويبكي الأعين ليس له أثر بين بقدر ما يكون تغييرا فعليا في سلوكيات الحياة، فهاهو الرسول صلى الله عليه وسلم يخصص جزءا من غنائم حنين للمؤلفة قلوبهم (هم الذين أسلموا حديثًا، سواء من أهل مكة الطلقاء أو من الذين أسلموا من الأعراب قبل فتح مكة مباشرة)، وهذا الفعل له ثلاث مقاصد أساسية وهي: تليين القلوب وتحبيب الدين وتغليب محبة الإسلام على محبة المادة، لأن ذلك يمنح لحديثي العهد بالإسلام مساواة أمام قديمي العهد، حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض سواء من كبر القديم أو حقد الحديث..
(3)
وما بين حديث العهد في الإسلام وقديمه لا توجد أية ميزة بالمدة الزمنية أو المكانة الاعتبارية، حيث أن الرسول صلى الله عليه وسلم حسم الأمر في التمايز على أساس التقوى لا غير وأنه لا يصح إلا الصحيح، فكان اعتراف عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ على قدر رفعته عند الله سبحانه وتعالى وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم وثاني الخلفاء الراشدين المهديين؛ أمام امرأة من قريش اعترضته في مسألة من الشرع بردّه المشهور “أصابت امرأة وأخطأ عمر” ، ليس إلا أنه تخرّج من مدرسة محمد صلى الله عليه وسلم ويعلم علما يقينا أنه لا تمايز عن البقية إلا برحمة من الله وعفو منه على أساس مبدأ التقوى خصوصا إن وجد غيره أحق مما يراه حقا فهو مستعد للاعتراف بخطئه مهما كبر مقامه عند الله عز وجل، وماذا عن الذين يشعرون بأنهم كبار في سلطتهم وقيادتهم ومالهم في الدنيا أما يستحيون من الله ويقتدون بعمر؟..
(4)
فأساس التفاضل اليوم والكمال الإنساني عند البشر مربوط في الغالب بالمال والسلطة والنفوذ حتى في المشاريع النبيلة، رغم أن الإسلام جعل التقوى هي هذا الأساس الذي يمكن أن تنصلح به أوضاع المجتمعات المريضة بأوبئة الفساد والانحلال الأخلاقي والاستبداد الأزلي.
وصناعة الإنسان التقي تقتضي صناعة نموذج إنساني ينتصر بممارساته قبل شعاراته، حيث يكتسب سمعة لدى الأغيار بسبب منظومته القيمية المرتكزة على قواعد ومعايير مختلفة تماما عما هو معمول به فيما تحكمت فيهم العقليات والنظريات المستلبة لما نص عليه الوحي القرآني والسنن الكونية.
لتصنع بذلك هذه العقليات والنظريات الْمُسْتَلِبَة قطيعة مع الإنسان في إنسانيته ويركنون بذلك إلا المتحكمات المادية المُكْرِهَة.. والانفكاك عنها يحتاج إلى مراس طويل يشبه إلى حد ما تكتيك المسافات الطويلة في سباق العدو الريفي..
(5)
وانسجام الإنسان مع منظور القرآن والسنن الكونية في ممارسة الأخلاق هو الكفيل بتكوين إنسان إنساني، ويقتضي ذلك نفسا عميقا للغوص في كل مرة في عمق بحر الحياة ومتطلباتها وفق الدورة العمرية للإنسان واحتمال الصعود والأفول وضمان شروط النهوض وآليات الاستمرار وتقبل الواقع كما هو من أجل تغييره وفق نموذج متجدد بنفس القيم، لكن لا يكرر نفس النماذج التي سبقت ولا يستنسخ خطاباتهم، فالخطاب الأخلاقي هو خطاب قد يتفق الجميع في شعاراته لكن أثناء الممارسة لن يكون مثيرا ولا جاذبا لأن بضاعتك تسترخصها بأن استنسخت نفس خطاب أجدادك الذين نجحوا لأنهم جددوا خطاب آبائهم، لكنك فشلت لأنك قلدت خطابهم..
(6)
وتجديد الخطاب الأخلاقي يتطلب أولا، صدقا مع الله ومع النفس، وثانيا قربه من الواقع المعاش وثقافة المخاطَب دون فلسفة أو مصطلحات معقدة، ثم قربه من هموم الناس وبعده عن المثالية، وأن يكون سقفه مرتبطا بتطلعات المخاطَب، فهو ينتظر منك ألا تجلده ولا تأنبه، فهو يجلد نفسه كل يوم، ويأنب نفسه كل ساعة، كما يطلب منك أن ترطب قلبه وتلينه برفق، لا أن تسكب عليه رقائقك فينظر إليك كالنبي الذي يحدثه بوحي، كن قريبا منه ولا تقدم نفسك شخصا مثاليا، حدثه أنك تخطأ أيضا كما يخطئ، لكنك تختلف عنه أن لديك إرادة قوية وإصرارا على تصحيح المسار مهما كانت المعيقات ومهما كان الطريق طويلا والظلام دامسا فالكل يخطئ، حدثه أن فيه خيرا وقد تنقلب آيته ويضحى أفضل من الذين يشهد لهم بالولاية، حدثه أن داخله مارد قد يقلب حياته رأسا على عقب، حدثه أن الحياة قصيرة لكن سيصلح نفسه بالتدريج وكلما أصلح فيه جانبا إلا وخفف عن نفسه شيئا من العذاب واقترب من نسمات الجنة.. حدثه كأنك تحدث نفسك لكن ابتعد عن المثالية..
(7)
وسؤال النموذج الأخلاقي يعد اليوم من الأسئلة الأكثر جدلا، ما بين الشكل والمضمون والتمثلات سواء منها الدينية أو الاجتماعية أو العلمية، فمفهوم النموذج هنا نقصد به مصطلح “القدوة”، إلا أننا في هذا العصر، ارتبط هذا الأخير بما هو تقليدي، فنظرتنا للنموذج دائما تكون بالتمثلات التي تعلمناها خاصة بما هو ديني استنبط مضمونه الشكلي من المجتمع المتدين، ومن هنا يثور التساؤل حول النموذج الأخلاقي الذي نريد، فمن منظور ديني نريده نموذجا نبويا خالصا، ومن منظور اجتماعي ننتظر منه قوة تواصلية ومعرفة ثقافية واسعة بالبيئة المتواجد فيها، والثقافات الأخرى إن تطلب الأمر، ومن منظور علمي ننظر إليه ذلك العارف المنقذ من الضلال والذي يجب أن يفقه في كل شيء.. وحاصل القول أن النموذج الأخلاقي الحقيقي هو نموذج يتصف بالصدق دينيا والبساطة مجتمعيا والحقيقة علميا بدون تزيف ولا تغلف ولا تزلف..
(8)
والأخلاق بطبيعتها تهذب المجتمع، وتخدم عوامل التنمية بالدولة، وذهاب الأخلاق من المجتمع أو بداية انفلاتها علامة على الانحدار والأفول، وتنمية الأخلاق من تنمية الدولة، فالأسرة ملزمة بصناعة منظومة أخلاقية راقية وضمان السبل لصناعة جيل متخلق مؤمن بالقيم الحضارية الإنسانية التي من خلالها يكون المنطلق صحيحا لنهضة الإنسان والمجتمع والدولة والأمة..
(9)
وبناء منظومة الفرد الأخلاقية هي بالضرورة بناء للأسرة التي تخرج نماذجا للمجتمع سواء في فضاءاتها الحيوية كالمدرسة أو الجامعة أو الإدارة، أو عنصرا مؤثرا يرتقي مستوى التأثير فيه إلى الدولة والأمة، حيث ينعكس ذلك في تحسن السلوكيات ورقيها حتى توسم بالمتحضرة جراء التوريث الأخلاقي عبر الأجيال، فقد أنبت لنا الفرد المتخلق أسرة أخلاقية فمجتمعا ودولة أخلاقية لننعم بأمة أخلاقية تتهافت على نموذجها الدول والأمم الأخرى لأننا تتبعنا السنن الكونية في الصلاح والإصلاح عبر البناء القيمي المتسلسل الذي يترجم إلى أعمال في الميدان وإنجازات تسمو بالإنسان إلى أصوله الإيمانية والمعرفية.. فقط بوقود الأخلاق
(10)
ووقود الأخلاق تتجه إلى ثلاثة جبهات لتحريك جذوة الاشتعال والاشتغال الأخلاقي فيها:
– أولا نحتاج إلى روح حية متأملة وقلب خافق وقوي بالإيمان،
– ثانيا نحتاج إلى نفس صافية راقية وبيضاء لا تعرف للحقد ولا للحسد طريقا وتحب الخير للجميع،
– ثالثا نحتاج إلى جسد ذي همة عالية يسارع للخيرات دون كلل أو ملل أو كسل،
(11)
وإذا كانت الروح والنفس والجسد هي جبهات ثلاث لوقود الأخلاق، فلا بد لنا أن نفكك تركيبة هذه الوقود، فهي شحنات الباطن والظاهر للنفس في التفكر والشعور والسلوك ينظمهم القلب والعقل، دون أن يغفل الإنسان عن وجود محفزات علمية ووعظية وحركية للإنجاز..
(12)
فلا أخلاق بدون أثر، فنهاية الكلام أثر، ونهاية التفكر أثر، ونهاية الفعل أثر..
وبالأثر ينتقل الإنسان من الجمود إلى الحركة، ومن العجز إلى العمل، ومن الكسل إلى الاجتهاد، ومن التشاؤم إلى الاستنهاض، ومن الـتأثر السلبي إلى الـتأثير الإيجابي..
الأخلاق إنسان.. الأخلاق حياة.. الأخلاق معنى..

عالمنا الإسلامي: نحو مزيد من النقد الذاتي البناء

في ضوء التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم اليوم، عرف الجزء الإسلامي منه تطورات في المقابل، وبالضبط مراجعة فكرية في التصورات العامة عن الدين والتدين.
وبالنظر إلى النقاشات المطروحة في عالمنا العربي والإسلامي، خاصة ما يتعلق بقضايا الهوية والمجتمع، فرغم أن مجموعة من الثوابت التي كانوا يعتبرونها أمس مقدسا، فقد أضحت اليوم قابلة للنقاش والاجتهاد.
وسبب ذلك هو الحركية والدينامية الكبيرة التي يعرفها عالم من عوالم الأرض في ظل مشاكل اقتصادية واجتماعية وسياسية تجعل مما هو فكري ضرورة للمراجعة من أجل الجواب على السؤال لماذ تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟
ومن هذا المنطلق يبدو أن النظريات الإسلامية في ظل الجمود الذي عرفته النصوص الإسلامية وعدم خضوعها إلى الاجتهاد الحقيقي في منهجية الإطار العام الذي من خلاله يمكن الحكم على الشيء أو إصدار فتوى فيه.
وكان الاشتغال فيما هو فقهي له أبعاد سياسية ويخدم الاستبداد أكثر مما يخدم التدين، مما دفع هذا الأمر إلى ظهور تيارات إسلاموية من داخل التيار الإسلامي الواحد، تدعو إما إلى المراجعة نحو مزيد من الانفتاح بمبدأ التوافق والتحاور والاتفاق الجزئي على المشترك وفرض هذه القيم بالأساليب الفكرية والأخلاقية المعمول بها من منطلق إنساني.
وتيار ثاني يدعو إلى المراجعة من منطلق نظرية الصراع وعدم محاولة فهم اختلاف الآخر عنه، وإعطاء تفسير أي مسألة خلافية بمبرر نظرية المؤامرة، وهذا هو جوهر المشكل.
وفي هذه النقطة بالذات التي تتعلق بنظرية المؤامرة فلست متطرفا في هذا الأمر إلى أي فئة من الفئات، فالمؤامرة تثبت ذاتها بالسلب أو الإيجاب، أما إذا لم تثبت فالحقيقة أن العالم يحتاج إلى مزيد من الفهم في ضوء الاختلاف وحتى الخلاف، إذ أن المؤامرة محتملة لكن ليس بتطرف، وغيابها محتمل ولكن ليس بغلو.
وهذا التفكك أو بتعبير إيجابي تنوع، يجعل الفكر الإسلامي أكثر سجالا فيما ستحمله العشر سنوات القادمة، مما سيجعل النقاشات تنتج عنها خلاصات في نقد التاريخ والأمة والدين من أجل الاستفادة أكثر من أخطاء السلف، وتدبير أكثر عقلانية وعلمية للصراع الذي يعرفه العالم.
وإن كان الحوار هو الأساس النهضوي الذي يجب على المسلمين اتباعه لمزيد من الفهم، فإن معطيات الأرض في التطورات السياسية والاقتصادية فيها من التشابكات التي قد تكون في صالح الدول الإسلامية إن وعت جيدا بضرورة المراجعة والاهتمام بالتنمية أكثر وخلق أصدقاء كثر بدل أعداء متفرقين ومجتمعين.
والساحة الدولية اليوم تشهد صراعات إقليمية يعتبر فيها الفاعل الإسلامي هو بطلها الرئيسي، ففي أي رقعة من الرقع تجده فيها، ليس لأنه مولوع بأن يكون مرتعا لهذه المعارك، وإنما للضرورة التاريخية والتقلبات التي يعرفها العالم في كل مرة دائما يعتبر فيها العالم الإسلامي هو الكعكة في كل ذلك خصوصا في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي.
والحكام في هذه الدول لهم تحالفات مع دول قوية إما إلى اليمين أو اليسار بالمفهوم الجغرافي وليس الإديولوجي، مما يدل على مدى التبعية التي تتسم بها هذه الدول، ويتطلب الأمر مزيدا من التمسك بقيم الاستقلال الحقيقي بالقرار مما يخدم العالم ككل.
وخدمة عالمنا الإسلامي الحقيقية هي ضمان السلم والأمن في العالم بالطرق الحضارية بدل الحروب، وكذلك تخلص هذه الدول الإسلامية من الاستبداد الذي كان العامل الحقيقي للتزعزع القيمي والاقتصادي، وهذا التغيير ليس عنفيا وإنما يكون بتراكم الإيمان بحب الوطن وإشاعة نفس الوعي والحوار والنقاش الجاد ومزيد من النقد الذاتي البناء.

ثلاثية العزوف السياسي في المغرب

في المغرب، أطلقت الحكومة حملة وطنية للتسجيل في اللوائح الانتخابيةوشاركت مجموعة من الأحزاب السياسية في تنظيم حملات تحسيسية تواصلية من أجل دفع المواطنين إلى التسجيل، استعدادا لاستحقاقات الجماعات المحلية في شتنبر 2015، وباقي الاستحقاقات التي ستليها، وعرفت الحملة في ختامها تسجيل أزيد من مليون ونصف ناخب، التي ستضاف إلى أزيد من 13 مليون المسجلة إلى غاية 31 مارس 2014.
إلا أن الكتلة الانتخابية في المغرب تصل إلى أزيد من 26 مليون ناخب الذين لهم الحق في التصويت، أي أن نسبة الناخبين المسجلين فعليا يتجاوز بقليل نصف الكتلة الناخبة مما يطرح في كل مرة سؤال العزوف عن التصويت في الانتخابات خاصة في فئة الشباب حيث يشكل الشباب في المغرب نسبة حرجة تصل إلى 36 بالمائة من مجموع السكان.
كما أن نسبة المشاركة في آخر انتخابات جماعية بالمغرب سنة 2009 بلغت 52,4 بالمائة من مجموع الناخبين المسجلين باللوائح الانتخابية أي أزيد بقليل من 7 ملايين ناخب.
ومناسبة الحديث هنا عن هذه الأرقام هو مدى التمييز من خلال النقاشات العمومية بين العزوف السياسي عن التسجيل في اللوائح الانتخابية في المغرب والعزوف السياسي في التصويت في الانتخابات والعزوف السياسي في وضع الثقة في أي حزب أثناء العملية الانتخابية.
وحينما نذكر في الحقل اللغوي العزوف عن الشيء فإننا نعني به الابتعاد أو الامتناع، أي عن السياسة في هذا السياق، كما هو منصوص في معجم الغني.

عن التسجيل في اللوائح الانتخابية

شكل العزوف عن المشاركة في الانتخابات بصفة ناخب مثار اهتمام الباحثين والسياسيين والمهتمين بالشأن العام، وعلى اختلاف تموقعاتهم الإديولوجية، حيث يعتبر بعض دعاة المقاطعة أن المحدد الأساسي لتقليص نسبة المتجهين إلى الاقتراع هو بالتسجيل في اللوائح الانتخابية، في حين يعبر اتجاه آخر مؤمن بمقاربة التشارك والمشاركة في العملية السياسية أن أول خطوة للبناء الديمقراطي هو التسجيل في اللوائح الانتخابية حيث أنه في نظرهم لا تكتمل صفة المواطنة إلا باكتساب صفة ناخب يختار مسؤوليه الذين سيدبرون شأنه وشأن غيره من المواطنين في المجال العام.
أما الفئة التي تعزف بشكل صريح عن التسجيل في اللوائح الانتخابية فإن ذلك يذهب في اتجاهين أساسيين، إما الجهل بخطورة عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية وعدم الوعي بخطورة ذلك، أو التذمر الإطلاقي من الوضع السياسي الراهن وفقد الثقة اللازمة بالأجهزة الإدارية للدولة أفقيا وعموديا ولعب دور المغلوب الساخط.

التصويت في الانتخابات

وعن النوع الثاني من العزوف السياسي، حيث يرتقي المواطن إلى درجة ناخب، حيث يصل إلى الوعي بضرورة التسجيل في اللوائح الانتخابية كي يصبح مؤشرا مؤثرا في العملية الانتخابية، إلا أن تأثيره تصل غايته فيه حسب دفوعاته إلى أن مقاطعة الانتخاب هي الحل ويلعب في الغالب التوجه الإديولوجي دورا حاسما في هذه الرؤية بالنظر للنظام السياسي والاقتصادي الذي يخالف تصورهم.
أما فئة أخرى فقد يكون تسجيلهم في اللوائح الانتخابية محض صدفة ليس إلا، حيث يغيب القاموس السياسي من ترسانتهم المعرفية حسب مستواهم التعليمي حتى ولو كانوا أميين، فقد يكون “مقدم الحومة” سببا في دخولهم إلى “نادي الناخبين”، وبالتالي فهم لا يكترثون إلى وجود انتخابات من عدمها لأن الوعي السياسي لم يصل إلى “حومتهم”.

فقد الثقة في الأحزاب

النوع الثالث والأخير في العزوف السياسي، هو فقد للثقة في أي حزب يمكن أن يصوت عليه الناخب، فهو يؤمن بضرورة المشاركة في الاقتراع الانتخابي وضرورة التعبير عن رأيه، إلا أنه لم يجد بعد الحزب الذي قد يضع فيه الثقة نظرا لمجموعة من العوامل والإرهاصات ومدى تمثله للعملية السياسية والتنموية للبلاد.
لكن لا يفوتنا أن ننبه إلى وجود نوع مشارك يريد اختيار حزب ما، لكن أميته منعته وحجبته من حرية الاختيار، فهو يجهل عملية التصويت وفي الغالب يجهل الكتابة والقراءة معا، وهذا النوع لا نسميه عازفا سياسيا عن الأحزاب، إذ الرغبة شافعة رغم الجهل، وفي هذه الحالة تكون الأوراق الملغاة تجمع بين وعي وجهل متناقضين ومشتركين في الإحجام بإرداة أو بدونها، لذلك شرطنا في هذا النوع عنصر فقد الثقة والوعي كي يكون عزفا سياسيا عن التصويت للأحزاب نظرا لفقد الثقة في الحزب المناسب.