شيوخ السلفية بالمغرب: لماذا تخلوا عن أتباعهم لداعش والنصرة؟

بتاريخ 4 فبراير 2012 غادر شيوخ ما سمي بملف “السلفية الجهادية” أسوار السجون بالمملكة المغربية بموجب عفو ملكي تزامن مع احتفال المغاربة بذكرى المولد النبوي، وتعلق الأمر بكل من الشيخ حسن الكتاني، والشيخ عبد الوهاب رفيقي الملقب بأبي حفص، والشيخ عمر الحدوشي، وسبقهم قبل ذلك الشيخ محمد الفزازي قبل بضعة أشهر بعفو ملكي أيضا. وكان شيوخ السلفية بالمغرب في ملف ما سمي بـ “السلفية الجهادية” الأربعة قد اعتقلوا عقب الأحداث التفجيرية الإرهابية التي استهدفت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003 والتي خلفت عدة ضحايا من المغاربة والأجانب ما بين قتلى وجرحى.

وقد وجد شيوخ السلفية الأربعة بالمغرب أنفسهم بعد العفو الملكي أمام ملف ضخم يتمثل في الدفاع عن طلب إطلاق سراح باقي المعتقلين السلفيين في السجون المغربية، وتحديات جمة تكمن في  التكيف مع الوضع الجديد من خلال جس نبضهم من طرف الجهات الرسمية حول مدى المراجعات التي قاموا بها في مواقفهم السابقة التي وصفت بـ”المتشددة”. بالإضافة إلى ذلك، كان هناك تحدي آخر، حيث كانت مجموعة من أتباع شيوخ السلفية الأربع الذين كانوا معجبين بخطاباتهم ومواقفهم ينتظرون خروجهم من السجن من أجل إكمال المسيرة التي بدؤوها معهم قصد توجيههم “لإقامة شرع الله في الأرض”.

التكيف مع الوضع الجديد:

انتظرت الجهات الرسمية وكذلك الإعلام المغربي والدولي بتعدد روافده المراجعات التي قد يكون شيوخ السلفية قاموا بها خلال فترتهم التي قضوها في السجن، خصوصا أنهم قد استفادوا من عفو ملكي بعد قضائهم أقل من 8 سنوات من مدة حكم تراوحت ما بين 20 إلى 30 سنة، والمبادرة التي ألقاها آنذاك الشيخ أبو حفص في رسالة بعثها إلى السلطات الرسمية بعنوان “أنصفونا” اشتملت على مجموعة من المراجعات النظرية. التكيف مع الوضع الجديد لم يكن سهلا أبدا، خصوصا الانتقادات الواسعة التي تعرض لها الشيوخ الأربعة من قبل محسوبين على التيار “الحداثي” بالمغرب إضافة إلى اصطياد بعض الزلات في التصريحات الصحفية من قبل بعض الجهات الإعلامية غير الرسمية. حيث توزعت أدوار الشيوخ الأربعة ما بين العمل السياسي والوعظي الرسمي وغير الرسمي والجمعوي.

الدفاع عن المعتقلين السلفيين المتبقين في السجون

بمجرد إطلاق سراح شيوخ السلفيين الأربعة كانت خطاباتهم موحدة بشأن إكمال المسيرة في الدفاع عن باقي السلفيين القابعين في السجون المغربية، إلا أن ذلك -رغم كل المجهودات التي كانت تلوح في الأفق والمبادرات التي قام بها بعض شيوخ السلفية وعلى رأسهم أبو حفص والكتاني بمعية جمعيات حقوقية يسارية وإسلامية وشخصيات وطنية – بدأ يخفت مع التطورات التي عرفها النسق السياسي الوطني والدولي، خصوصا مع تنامي التيارات الجهادية في سوريا والعراق وليبيا واتجاه مجموعة من المغاربة المتشددين إلى هذه البلدان، مما جعل الشيوخ يتوجسون من هذا الملف ويبرؤون أنفسهم منه، خصوصا مع “اللجنة الوطنية للدفاع عن المعتقلين السلفيين” التي كانت ولازالت تتبنى هذا الملف وتضم مجموعة كبيرة من التيار السلفي بالمغرب، حيث وجدت  هذه اللجنة تخاذلا كبيرا من لدن بعض الشيوخ، الشيء الذي جعل مجموعة  من أفراد هذه اللجنة يتجهون إلى سوريا قصد القتال مع الجماعات الجهادية المتطرفة هناك أبرزهم ناطقهم الرسمي أنس الحلوي الذي قتل مؤخرا هناك.

هل احتضن الشيوخ الأربعة أتباعهم؟

على ما يبدو أن المراجعات التي قام بها الشيوخ الأربعة بدون سابق إنذار عكرت صفو أتباعهم الذين أعجبوا بهم قبل أحداث 16 ماي 2003 وطيلة مدة السجن التي قضوها، وهذا ما بدا جليا على صفحات  الشيوخ الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي والندوات التي كانوا يؤطرونها والخرجات الإعلامية التي كانوا يسطرون فيها مواقفهم ومراجعاتهم، ومع هذا التسارع في الأحداث والمواقف، لم يكن على الأقل علنا نية مسبقة بإجراء حوار داخلي للشيوخ الأربعة مع أتباعهم أو على الأقل مريديهم، من أجل ثنيهم عن الأفكار السابقة ومراجعتها عبر النقاش الفكري الهادئ وأخذ الوقت الكافي من أجل ذلك، فأغلب ما انشغل به الشيوخ الأربعة هو رد الفعل على الانتقادات وإعادة التموقع في المجتمع وفق الوضعية الجديدة، وبالتالي كان من الصعب القول أن هناك احتضان كلي وحوار رسمي على اعتبار أن هذا التحدي في الأصل كان من المفترض أن يكون أولى الأولويات التي  على الشيوخ الأربعة وضرورة إعطاءها الوقت الكافي لتنضج.

خيبة أمل تلاها تدعش أو تنصر

مع خيبة أمل بعض مريدي الشيوخ السلفيين الأربعة، لم يعد لبعض “السلفيين الجهاديين” في المغرب شيخ، مما جعل الفرصة سانحة لهم من أجل التشدد أكثر فأكثر، والاتجاه نحو البؤر المتوترة في العالم العربي بعد التطورات التي عرفها موجة الربيع في الدول العربية، فكانت سوريا والعراق مركزين أساسيين لهجرة الجهاديين المتشددين المغاربة حيث رصد تقرير كشف عنه معهد «غولف ميلتري انلايسيس» أن عدد المغاربة الذين يقاتلون في سوريا يبلغ ثمانية آلاف مغربي ينحدرون من مناطق مختلفة من المغرب، إضافة إلى عدد من الحاملين لجنسيات بعض الدول الأوربية خاصة فرنسا وبلجيكا، وذلك خلافا لرقم 1500 مقاتل مغربي الذي تداوله الإعلام سابقا، وذلك استناد إلى معلومات حصل عليها المعهد من مصادر مغربية رسمية، وقد انضم هؤلاء المقاتلون المتشددون المغاربة إما إلى تنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” داعش، أو جبهة النصرة المحسوبة على تنظيم القاعدة، مما يثير أكثر من علامات استفهام حول الدور الذي كان من الممكن أن يلعبه شيوخ السلفية الأربعة في ثني هؤلاء السلفيين عن السفر للقتال في هذه البلدان عبر حوار فكري حجاجي يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية السلفية.

يوسف الفاسي

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *